يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

156

بهجة المجالس وأنس المجالس

ثلاثون أخرى على قدرها * تباركت يا أحسن الخالقينا فما ذا يقوم لأفواههم * وما كان يملأ تلك البطونا إذا ما تذكرت أجسامهم * تقاصرت النفس حتّى تهونا وكلّ على ذاك ذاق الرّدى * وبادوا جميعا فهل خالدونا روى أسامة بن زيد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : أخبرني عمر بن الخطاب قال : خرجت مع أناس من قريش في الجاهلية في تجارة إلى الشام ، فبينما أنا في سوق من أسواقها بدمشق إذ أنا ببطريق قد جاءني فأخذ بعنقى ، فذهبت أنازعه نفسي ، فقيل لي : لا تفعل فليس لك منه النّصف ، قال : فخرجت معه فأدخلنى كنيسة فإذا تراب كثير متراكم بعضه على بعض ، فدفع إلى بمجرفة وفأسا وزنبيلا ، فقال لي : انقل هذا التراب واحفر لي هاهنا بئرا ، قال : فجلست أفكّر في أمرى كيف أصنع ، قال : فأتاني في الهاجرة وعليه سبنيّة قصب « 1 » ، أرى سائر جسده منها ، ولم أحرّك شيئا ، فقال لي : وإنك على ما أرى ما حركت شيئا ، ثم ضمّ كفه وأصابعه يضرب بها وسط رأسي ، فقلت في نفسي : ثكلتك أمك يا عمر ، أو قد بلغت ما أرى ! قال : فقمت إليه بالمجرفة فضربت بها رأسه فنثرت دماغه وخرّ ميتا ، وخرجت إلى الطريق ، وأنا لا أدرى أين أسلك من بلاد اللّه تعالى ، فمشيت بقية يومى وليلتي من الغد حتى أصبحت ، ثم انتهيت إلى دير فاستظللت بظلّه ، فخرج إلىّ رجل من أهل الدير ، فقال : يا عبد اللّه ! ما يقعدك

--> ( 1 ) السبنية : ثياب من حرير رقيق .